الشيخ عبد الغني النابلسي
93
كتاب الوجود
مع قطع النظر عن قيامها بالذهن معلوم له وجود غير متفاضل ، وهذا بخلاف الموجود ، فإن العلم ما في الذهن والمعلوم ما في الخارج ، وبهذا يتدفع إشكال آخر ؛ وهو أنهم صرحوا بأن الصورة إنما تكون علما إذا كانت مطابقة للخارج ؛ ذلك لأن هذا إنما هو في صور الأعيان الخارجية ، وأما المعدومات من الاعتبارات وغيرها فمعنى مطابقتها ما ذكرنا » « 1 » انتهى كلامه . وقوله بخلاف الموجود مخصوص بالموجود الممكن ، فإن الموجود الواجب لا صورة له في الخارج ، فلا يمكن علمه ولا الحكم عليه إلا بالطريق الذي ذكرنا . وقوله : وبهذا يتدفع إشكال آخر . . . إلخ ، بل يرد إشكال آخر ، وهو العلم بالواجب تعالى المنزه عن الصورة في الخارج بإجماع المتكلمين وغيرهم من أهل الحق ، فإن كون الصورة علما به إذا كانت مطابقة للخارج إنما هو في صور الأعيان الخارجية لا المعدومات الاعتبارية ، يعنى بالأعيان الخارجية ما عدا الواجب سبحانه ؛ لأنه قال : صور الأعيان الخارجية الواجب سبحانه لا صورة له ؛ فكيف تكون الصورة التي هي مقتضى العلم به والحكم عليه مطابقة له في الخارج ، وهو لا صورة له في الخارج . هذا أمر لا يكون أصلا ، وهو إشكال وارد على من كان الواجب سبحانه ، أو حكم عليه خصوصا على من يقول بأنه علمه تعالى « 2 » بكنه حقيقته ، كما هو مذهب جمهور المتكلمين كما قدمناه ، بل على من يقول بأنه علمه بوجه ما كما سبق ؛ لأن الواجب لا صورة له قطعا مطلقا ، فالعلم بالصورة أو الحكم معها عليه غير مطابق له أصلا ، فلا
--> ( 1 ) أهل القدم يذهبون إلى أن خصومهم إذا كانوا يرون أن اللّه خلق العالم بعد مدة ؛ فهل تجددت له الإرادة بعد ما لم تكن في تلك المدة التي لم يخلق فيها ، فإذا قيل : نعم ، فإننا نسأل : هل كان تجددها منه أو من غيره ؟ فإن قيل : منه ، قيل : ولم تجددت الإرادة له منه وهو هو قبل أن يتجدد كما هو حين تجددت ، وما اقتضاه مقتض ولا بعثه باعث ولا سأله سائل ؛ فكيف حدثت له الإرادة بعد ما لم تكن ؟ [ المعتبر في الحكمة ( 3 / 33 ) ] . ( 2 ) اللّه عالم بجميع الجزئيات ، وهذا يؤدى إلى القول بأن علمه القديم متعلق بوجود العالم في وقت ما ، وعدم وجوده في وقت آخر ، والإرادة لا تتعلق بالشيء إلا على وفق العلم ؛ ولهذا السبب تعلقت إرادة اللّه بإحداث العالم في الوقت الذي علم وقوعه فيه ، ولم تتعلق بإحداثه في سائر الأوقات . [ الأربعون للرازي ( 42 - 43 ) ] .